الثلاثاء، 15 يناير، 2013

التغيير الحقيقي يبدا من المدرسة


في احد الايام مررت من امام مدرسة اساسية في لحظة خروج الطلاب من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي للفترة الصباحية …بوابة المدرسة  تقع على شارع جانبي خلف منزلي …كان الطلاب يتدافعون بشدة وكانهم في حالة فرار من سجن رهيب …اصواتهم كانت مرتفعة …خروجهم غير المنتظم ومنظرهم العام كان لايتناسب مع خروج طلاب من مدرسة…. وهي مؤسسة تربوية تابعة لوزارة تحمل اسم وزارة التربية والتعليم لأن منظر الطلاب كان يتنافى ومبادىء التربية والتعليم ….سد الطلاب بأعدادهم الكبيرة ذلك الشارع وكان منهم من يقترب من نافذة السيارة التي اقودها مطلقا عبارات غير لائقة وهناك من كان يضرب هيكل  السيارة بحركات استفزازية ..
ظللت اراقب تلك الوجوه الصغيره وقد استوقفي مايحدث وأثار فضولي ودهشتي…وبدأت الاسئلة تتلاحق وتتقافز على ذهني …أي مدرسة هذه التي يتعلم فيها هؤلاء الصغار؟ أي نوع من التعليم والتهذيب يتلقونه داخل هذه الأسوار العالية؟ ماهو الأثر الذي يتركه اليوم المدرسي أو الفصل الدراسي او العام الدراسي على اخلاقهم وسلوكهم ومعارفهم ومهاراتهم…..؟؟
هل تعلموا في المدرسة كيف يتعاملوا مع بعضهم بذوق وأدب ؟ هل تعلموا أداب السلوك في الطريق العام واحترام حق الاخرين في استخدام الطريق؟ هل تعمل المدرسة على تهيئتهم للتفاعل مع المجتمع الكبير خارج المدرسة ….
هل ترك اي معلم في هذه المدرسة أية بصمة ايجابية على هؤلاء الطلاب؟
فوجدت انني أشعر بالتعاطف مع الطلاب …خاصة عندما نعرف الظروف التي يعايشوها داخل المدرسة ذات الأسوار العالية والتي تشبه إلى حد كبير السجن …
ففي احد المرات دخلت إلى مدرسة للبنين للإشراف على برنامج تدريبي للمعلمين … انتظرت امام بوابة المدرسة حتى فتح لي الباب حارس المدرسة وعند دخولي قام باغلاق البوابة بسلسلة حديدية وقفل كبير…حوش المدرسة كان واسعا وخاليا من اي شجرة او اية لمسة جمالية عندما اقتربت من سلم المدرسة كانت درجات السلم في حالة سيئة فهي متآكلة ومحطمة ولفت انتباهي حجم التخريب في المدرسة فالكراسي متناثرة ومرمية بإهمال والجدران تبرز عليها علامات حفر ونقوش قام بها الطلاب  ….وجوه المعلمين مكفهرة  …كانت مؤشرات العنف والعنف المضاد تبدو بوضوح …عند اقترابي من احد المعلمين اخبرني بان الدورة تم تحويلها إلى  مدرسة أخرى وكان عليَ الخروج من المدرسة لكن الحارس لم يكن موجود ولابد من الانتظار حتى عودته لأنه الوحيد الذي يحمل مفتاح القفل للبوابة ….فلاحظت ان سور المدرسة العالي تم بناء سور اضافي عليه من الاسلاك الشائكة منعا لهروب الطلاب وشاهدت بعض الطلاب وهم يتسلقوا السور ويساعد بعضهم بعض في التغلب على الموانع التي تلك …فأي مؤسسة تعليمية تلك وأي تعليم تقدمه …وأي طلاب سيتخرجوا منها ؟
ووجدت الاسئلة تنقلني للتساؤل حول التعليم ذاته …لماذا نتعلم في  الأصل؟ لماذا يدفع الأهل بابنائهم إلى المدرسة؟
ماهي وظائف المدرسة؟فإذا كانت المدرسة هي تلك المؤسسة التى أنشاها المجتمع لتتولى تربية النشء الطالع...فأي تربية يتلاقها هؤلاء الطلاب ؟؟
 ينظر جون ديوي الى المدرسة بأنها مؤسسة اجتماعية تعمل على تبسيط الحياة الاجتماعية واختزالها في صورة أولية بسيطة…فهي مؤسسة اوجدها المجتمع لإنجاز عمل خاص، هو الحفاظ على الحياة الاجتماعية وتحسينها. فهل تُحسن مدارسنا الحياة الاجتماعية؟
وتبين القراءة التاريخية لعمل المدرسة ووظيفتها، أن عمل المدرسة ووظيفتها تختلف باختلاف أنظمة الحكم القائمة والأيديولوجيات السائدة. فالمدرسة القائمة على التسلط والقهر والعنف هي مدرسة في بلد يعاني من نظام سياسي مستبد. وعندما يتغير النظام السياسي تتغير السياسات التربوية تبعا لذلك …فالسياسات التربوية القائمة لأي بلد تحدد للمدرسة وظائفها ومهماتها وأدوارها، وتصوغ لها مناهجها بما ينسجم مع التوجهات السياسية الكبرى لذلك المجتمع. 
المدرسة تلعب دورا هاما في زيادة الدخل القومي، وتحقيق النمو الاقتصادي في البلدان المتطورة والنامية على حد سواء. و تشير دراسة اجريت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1962، أن 23% من نسب النمو الاقتصادي، في الولايات المتحدة الأمريكية، يعود الى تطور التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية. 
ويمكن هنا ان نستشهد بقول  للاقتصادي الإنكليزي آدم سميث في الإشارة الى أهمية راس المال البشري ودوره في الدخل الاقتصادي القومي فهو يقول :  ان الشخص المؤهل علميا يمكن ان يقارن بأحدى الآلات المتطورة والحديثة والمكلفة في مجال الإنتاج والتوظيف والاستثمار. 
وتشير نتائج أحدى الدراسات "إنتاجية العامل ألامي ترتفع بنسبة 30% بعد عام واحد من الدراسة الابتدائية، وحوالي 320% بعد دراسة 13 عاما، وتصل الى 600% بعد الدراسة الجامعية…
ان صورة التعليم بدأت تأخذ مكانها على انها عملية توظيف واستثمار وعائدات ….وينظر أصحاب النزعة الاقتصادية الى المدرسة في جوانبها الاقتصادية. ويعملون على دراسة حركتها وفاعليتها بوصفها مؤسسة إنتاجية تطرح نتاجا من الشهادات والناس في أسواق العمل، وهو نتاج تتباين أهميته وجودته بتباين المدة الدراسية، ونوع الدراسة والفرع العلمي، ومدى أهمية الاختصاص في سوق العمل وفقاً لمبدأ العرض والطلب الاقتصادي. 
 وهنا نتساءل:  لماذا تخسر الدولة وتنفق على التعليم وبناء المدارس في بلادنا؟؟
وهل التعليم في بلادنا يحقق الأهداف التي تم وضعها؟ وهل هذه الأهداف تتناسب مع متغيرات العصر ومتطلباته؟
أن من يلتحق بالنظام  التعليمي في بلادنا يقضي 12 عاما من سنوات عمره في ظل ذلك النظام …وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة ماهي المهارات والمعارف التي اكتسبها؟ وماهي الأبواب التي تفتحها له تلك الشهادة؟
الشهادة الثانوية مثلا في المانيا تعني الكثير وليس كل طالب يستطيع الالتحاق بالتعليم الجامعي لكنه يتخرج من المدرسه وهويحمل شهادة لها قيمة وتؤهله لوظيفة يقوم فيها بدور يحتاجه المجتمع …لكن في بلادنا الشهادة الثانوية لاقيمة لها عندما يتقدم حاملها لأي وظيفة…
ان العاملين في وزارة التربية والتعليم يعلمون جوهر المشكلة ويعرفوا ماهي الحلول فهناك الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم الأساسي ، والمسار السريع وغيرها من البرامج التي تتم بالتعاون مع البنك الدولي وغيره من المنظمات الدولية التي تهتم بتحسين وتطوير التعليم في بلادنا…..لكن معرفتهم تلك لم تثمر تغييرا ملموسا في دور ووظيفة المدرسة بالرغم من برامج التدريب المختلفة التي يتم عقدها على مستوى كل المحافظات …
ويحق لنا ان نتساءل متى سيتم تحويل المدرسة في بلادنا إلى مجتمع مصغرحيث يتم اعداد الطلاب لتحقيق الأهداف المنشودة للمجتمع عن طريق تدريبهم داخل المدرسة على التعاون والتضامن والعلاقات الإنسانية بين الطلاب بعضهم البعض وبين الطلاب والمعلمين والعاملين والآخرين في المدرسة… وهكذا يستطيع الطالب أن يقابل المجتمع الكبير بكفاءة وقدرة تمكنة من تحقيق أهذافه المستقبلة.…وتحقيق اهداف مجتمعه…
لقد كان المجتمع ينظر إلى المدرسة قديما على أنها مؤسسة تعليمية بحتة مهمتها تزويد الطلاب
بقدر معين من المعارف فمتى نتجاوز هذه النظرة في بلادنا؟؟ 
هناك معادلة بسيطة …التغيير في أي بلد يبدأ بالتعليم …والتعليم يبدأ بالمعلم والمدرسة …
الأمر ببساطة إذا كنا فعلا نريد التغيير الحقيقي والفعلي للمجتمع اليمني والخروج من الواقع الذي نعيشه بكل تعقيداته….وإذا كانت الرغبة في التغيير حقيقية وليست عاطفية، لابد ان نتأكد ان تغيير الأوضاع يبدأ باصلاح التعليم ..وتحويل المدرسة إلى مؤسسة تعليمية حديثة تهيء شروط ومناخ التقدم الاجتماعي من خلال تكوين وتأهيل  الأجيال الناشئة …وهذا ماتبنته العديد من البلدان مثل دول شرق آسيا ودول شرق أوروبا والتي اعتمدت بالدرجة الأولى على المؤسسات التعليمية في تأهيل الرأسمال البشري عبر خلق الإنسان الفاعل والمبدع والمساهم في عملية التنمية والتحديث الاجتماعيين…


الخيال والإبداع

يملك الإنسان قدرات هائلة لا يمكن تخيل حدودها .. تلك الأعداد الهائلة من خلايا الدماغ، والوصلات العصبية لم تخلق عبثا... لم تخلق من أجل ...